في زمنٍ تحكمه خوارزميات المنصات الرقمية، وتتنافس فيه المؤسسات الإعلامية على كسب ثوانٍ معدودة من انتباه الجمهور، لم يعد التحدي الحقيقي يتمثل في إنتاج مزيد من المحتوى، بل في إنتاج محتوى يمتلك القدرة على البقاء في الذاكرة. فالإعلام الذي يراهن على سرعة الوصول قد يحقق الانتشار، لكنه لا يضمن الأثر. أما الإعلام الذي يراهن على الإنسان، فإنه يراهن على القيمة الأكثر استدامة في كل فعل اتصالي.
لقد أعادت الثورة الرقمية رسم خريطة الاتصال، لكنها في الوقت نفسه دفعت كثيرًا من الخطابات الإعلامية إلى الارتهان لمنطق السرعة، حتى أصبح الإنسان، في كثير من الأحيان، مجرد عنصر داخل دورة الأخبار، أو مادة للاستهلاك الآني، أو رقمًا في معادلة نسب المشاهدة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى استعادة الوظيفة الأصلية للإعلام؛ ليس باعتباره وسيطًا لنقل الوقائع فحسب، بل باعتباره فاعلًا في إنتاج المعنى، وصناعة الوعي، وبناء الجسور بين الأفراد والمجتمعات.
من هذه الرؤية انطلقت تجربتي في إعداد وكتابة وتقديم برنامج «رحلة إنسان»، بوصفه مشروعًا إعلاميًا يؤمن بأن الحكاية الإنسانية ليست هامشًا في العمل الإعلامي، بل هي متنه الحقيقي. فالإنسان ليس خبرًا عابرًا، بل نصٌ مفتوح على التجربة، والذاكرة، والقيم، والتحولات التي تصوغ مسارات الحياة.
لم يكن الهدف من البرنامج إجراء مقابلات إذاعية بالمعنى التقليدي، بل إعادة الاعتبار لفن الحوار بوصفه ممارسة معرفية وإنسانية. فالضيف لا يُستدعى ليتحدث عن منصبه أو إنجازاته بقدر ما يُدعى إلى تأمل رحلته، واستحضار اللحظات التي شكّلت وعيه، وصقلت شخصيته، ورسخت رؤيته للحياة. وهكذا تتحول المقابلة من استعراض للسيرة الذاتية إلى قراءة في السيرة الإنسانية.
إن الإعلام، حين ينصت إلى الإنسان قبل الحدث، يصبح أكثر قدرة على صناعة التأثير. فالتجارب الإنسانية لا تستهلك بانتهاء بث الحلقة، لأنها تمتلك قابلية الامتداد داخل وجدان المتلقي، وتمنحه فرصة لإعادة قراءة ذاته من خلال تجارب الآخرين. ولهذا فإن «رحلة إنسان» لا يقدم الضيوف بوصفهم شخصيات عامة فحسب، بل باعتبارهم حوامل لخبرات إنسانية يمكن أن تلهم المجتمع، وتفتح مساحات جديدة للتفكير والحوار.
وتتجاوز هذه المقاربة حدود الفضاء الإذاعي لتلامس وظيفة الإعلام الثقافية والاجتماعية. فحين يصل البرنامج إلى المستمع العربي المقيم خارج وطنه، لا يكون مجرد مادة صوتية، بل يتحول إلى مساحة رمزية تستعيد الذاكرة، وتعزز الإحساس بالانتماء، وتربط المهاجر بلغته وقيمه ورصيده الثقافي. وفي هذا السياق، يؤدي الإعلام دورًا يتجاوز الإخبار إلى ترميم العلاقة بين الإنسان ووطنه، وبين الذاكرة والواقع.
أما بالنسبة للمغاربة المقيمين في الخارج، فإن هذا البعد يكتسب دلالة خاصة. فالإعلام هنا لا يواكب الجالية بوصفها جمهورًا مستهلكًا للمحتوى، بل بوصفها امتدادًا حيًا للهوية الوطنية. ومن خلال الكلمة والصوت والحكاية، يصبح البرنامج ممارسة فعلية للقوة الناعمة، وإسهامًا في صون الرأسمال الثقافي المغربي داخل الفضاءات العابرة للحدود.
ومن الناحية المهنية، تندرج هذه التجربة ضمن ما يمكن تسميته بصحافة المعنى؛ ذلك الاتجاه الإعلامي الذي لا يكتفي بالإجابة عن سؤال: ماذا حدث؟، بل ينتقل إلى أسئلة أكثر عمقًا: لماذا حدث؟ وكيف غيّر الإنسان؟ وما القيمة التي يمكن أن يستخلصها المجتمع من هذه التجربة؟ فالمحتوى الذي يعيش طويلًا ليس الأكثر صخبًا، بل الأكثر قدرة على إنتاج المعرفة، وتحفيز التأمل، وإثارة الأسئلة.
إن مستقبل الإعلام لن تحدده التكنولوجيا وحدها، مهما بلغت درجة تطورها، لأن التقنية تظل أداة، بينما يبقى الإنسان هو الغاية. وستظل المؤسسات الإعلامية الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تنجح في تحويل المحتوى إلى تجربة معرفية، والصوت إلى ذاكرة، والحوار إلى قيمة مضافة في المجال العام.
لهذا، لا أنظر إلى «رحلة إنسان» بوصفه برنامجًا إذاعيًا فحسب، بل باعتباره رؤية إعلامية تنطلق من إيمان راسخ بأن الكلمة تستطيع أن تعبر الحدود، وأن الحوار قادر على بناء جسور تتجاوز الجغرافيا، وأن الإنسان، مهما تبدلت الوسائط، سيظل القضية المركزية للإعلام، والغاية التي تستحق أن تُبذل من أجلها كل أدوات الاتصال.
بقلم : سمية مسرور
